
تعيش المملكة المتحدة لحظة سياسية واقتصادية دقيقة حيث تتقاطع الضغوط الداخلية مع المتغيرات العالمية لتشكّل اختبارا حقيقيا لصلابة الحكومة التي يقودها “كير ستارمر” فبعد انطلاقة بدت واعدة في أعقاب دخوله إلى 10 داوننغ ستريت مدعوما بأغلبية برلمانية مريحة ، كان الاعتقاد السائد في الأوساط السياسية والمالية أن الحكومة الجديدة تمتلك من الأدوات ما يكفي لتمرير برنامجها الإصلاحي دون مقاومة تذكر ، إلا أن الواقع سرعان ما كشف عن طبقات أكثر تعقيدا ، حيث لم تكن التحديات سياسية بحتة بل امتدت عميقا إلى بنية الاقتصاد البريطاني ذاته.
حرب بعيدة… وتأثير مباشر
لقد جاء التحول الأبرز مع تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميا ، خاصة مع اندلاع المواجهة في الشرق الأوسط ، وهي مواجهة وإن بدت بعيدة جغرافيا عن لندن إلا أن ارتداداتها أصابت الاقتصاد البريطاني في الصميم ، فارتفاع أسعار الطاقة عالميا أعاد فتح جراح لم تندمل منذ أزمة الطاقة الأوروبية ، ما انعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل ، وبالتالي على معدلات التضخم التي عادت للارتفاع بعد فترة من الانحسار النسبي ، ومع هذا الارتفاع بدأت القدرة الشرائية للأسر البريطانية بالتآكل لتدخل الحكومة في معادلة صعبة بين كبح التضخم ودعم النمو.
سوق العمل تحت الضغط
في هذا السياق لم يكن مستغربا أن تتجه مؤشرات سوق العمل نحو الضعف ، حيث بدأت معدلات البطالة في الارتفاع تدريجيا ، وهو ما يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي وتردد الشركات في التوسع أو التوظيف في بيئة يسودها عدم اليقين ، هذه التطورات وضعت حكومة ستارمر أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي والحماية الاجتماعية وخاصة وأن القاعدة الشعبية كانت تعول على تحسين الظروف المعيشية بشكل ملموس.
فضيحة تضرب الثقة السياسية
لكن الضغوط لم تتوقف عند الاقتصاد بل امتدت إلى المشهد السياسي ، حيث جاءت فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن لتضيف بعدا جديدا للأزمة ، هذه القضية لم تكن مجرد جدل إعلامي بل تحولت إلى عبء سياسي ثقيل ، إذ استخدمت كأداة لتقويض مصداقية الحكومة ، خصوصا في توقيت حساس يتزامن مع تراجع اقتصادي واضح. وهنا، يمكن القول إن الأزمة لم تعد أزمة سياسات بل أزمة ثقة.
الانتخابات… الضربة القاضية
وجاءت الانتخابات المحلية لتترجم هذا التآكل في الثقة إلى نتائج ملموسة ، حيث مني حزب العمال بهزيمة قاسية اعتبرها كثير من المحللين بمثابة استفتاء شعبي مبكر على أداء الحكومة ، هذه الخسارة لم تكن مجرد تراجع انتخابي، بل إشارة واضحة إلى أن المزاج العام بدأ ينقلب ، وأن الدعم السياسي الذي بدا صلبا قبل أشهر فقط أصبح أكثر هشاشة مما كان متوقعا.
السندات تعكس القلق المتصاعد
الأسواق المالية لم تتأخر في التقاط هذه الإشارات فقد شهدت عوائد السندات الحكومية البريطانية خاصة طويلة الأجل وارتفاعا حادا لتصل إلى مستويات تاريخية ، في انعكاس مباشر لارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بالأصول البريطانية ، هذا الارتفاع يعني ببساطة أن المستثمرين باتوا يطلبون عائدا أعلى مقابل الاحتفاظ بالديون البريطانية، وهو ما يترجم إلى زيادة في تكلفة الاقتراض على الحكومة ، ويقيد قدرتها على التوسع المالي.
الجنيه تحت ضغط المستثمرين
وفي سوق العملات لم يكن الجنيه الإسترليني بمنأى عن هذه الضغوط ، حيث سجل تراجعا ملحوظا أمام الدولار واليورو ، في إشارة إلى خروج جزء من التدفقات الاستثمارية أو إعادة تموضعها نحو أصول أكثر أمانا ، هذا التراجع يعكس أيضا تزايد القلق من أن الأزمة السياسية قد تتحول إلى أزمة اقتصادية أعمق ، خاصة إذا ما استمرت حالة عدم اليقين داخل حزب العمال.
بنك إنجلترا بين نارين
أما على صعيد السياسة النقدية فقد وجد بنك إنجلترا نفسه في موقف لا يحسد عليه فمع عودة الضغوط التضخمية وتراجع العملة ، بدأت الأسواق تسعّر سيناريو أكثر تشددا يتضمن عدة زيادات في أسعار الفائدة خلال العام ، هذا التوجه وإن كان ضروريا لكبح التضخم إلا أنه يحمل في طياته مخاطر إضافية على النمو، حيث يؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات ، ما قد يعمّق حالة التباطؤ الاقتصادي.
تحليل فني يؤكد السلبية
وفي ظل هذه المعطيات يمكن قراءة الحركة الأخيرة لزوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار على أنها انعكاس فني ونفسي في آن واحد ، فكسر مستوى الدعم 1.3400 لم يكن مجرد حركة سعرية ، بل إشارة إلى فقدان الثقة في المدى القصير ، خاصة مع تزامنه مع كسر اتجاه صاعد واستمرار التداول دون المتوسطات المتحركة الرئيسية ، ورغم وصول مؤشرات الزخم إلى مناطق تشبع بيعي ، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة انعكاسا وشيكا ، بل قد يشير إلى مرحلة استقرار مؤقت قبل استئناف الاتجاه الهابط، خصوصًا إذا استمرت الضغوط الأساسية دون تغيير.
وتحرك الجنية الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي للإنخفاض خلال اليوم بأكثر من 0.50% ، الى مستوى 1.33343 دولار أمريكي، وهذا الإنخفاضللجسة الرابعة على التوالي
