
يحبس المستثمرون أنفاسهم قبيل قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي المرتقب اليوم الأربعاء في الساعة العاشرة بتوقيت الإمارات ، في لحظة مفصلية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة للأسواق العالمية ، هذا الاجتماع لا ينظر إليه كقرار عابر عن أسعار الفائدة فحسب ، بل يمتد ليشمل إعادة تسعير شاملة لتوقعات الاقتصاد الأميركي في ظل بيئة معقدة ومليئة بالتحديات ، وايضا كاختبار حقيقي لمدى قدرة السياسة النقدية على الموازنة بين تضخم لم يهزم بعد وسوق عمل بدأت تظهر عليه علامات الإرهاق
في قلب المشهد العام يقف جيروم باول أمام معادلة واختبار صعب قد يكون الأخير في ولايته ، حيث تتداخل الضغوط بين تضخم لا يزال متماسكا فوق المستهدف ، ونمو اقتصادي يظهر إشارات تباطؤ تدريجي ، دون أن يصل إلى مرحلة الانكماش الكامل ، هذه المعادلة تفرض على الفدرالي تبني نهج شديد الحذر أقرب إلى “الانتظار المشروط” بدلا من التحرك الحاسم
ضغوط التضخم وسوق العمل
يأتي القرار في وقت تتصاعد فيه ضغوط الأسعار ، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار اختناقات بعض سلاسل الإمداد ، مما أبقى معدلات التضخم فوق هدف 2% للعام الخامس على التوالي ، ورغم تراجع الذروة التي سجلتها الأسعار في الفترات السابقة ، إلا أن المسار النزولي أصبح أبطأ وأكثر تعقيدا وهو ما يثير قلق صناع القرار
في المقابل لا يقدم سوق العمل الصورة الكارثية التي قد تدفع الفدرالي للتحرك سريعا نحو التيسير وصحيح أن وتيرة التوظيف تباطأت وهناك مؤشرات على تراجع الطلب على العمالة ، إلا أن السوق لا يزال متماسكا نسبيا ، مع معدلات بطالة مستقرة نسبيا مقارنة بالدورات الاقتصادية السابقة
وتعتبر المهمة أمام الفدرالي مزدوجة حيث تعكس استقرارا نسبيا في سوق العمل ، لكن على صعيد التضخم لا يزال هناك الكثير من العمل ، مع استقرار المعدلات قرب 3% ، وهو ما يلخص بدقة المأزق الحالي لا انهيار يبرر التيسير ، ولا استقرار سعري يسمح بالاطمئنان
ما بين التريث والمخاطرة
الأسواق تدرك أن الفدرالي لا يتحرك في فراغ بل في بيئة مليئة بالمخاطر الجيوسياسية وتقلبات الطاقة ، مما يجعل أي قرار عرضة لتفسيرات متباينة ، حيث أن التريث قد ينظر إليه كحكمة ، لكنه في الوقت نفسه قد يفسّر على أنه تأخر في مواجهة التضخم ، وعلى الجانب الآخر أي تشدد إضافي قد يضغط بقوة على النمو ويعيد شبح الركود إلى الواجهة
هذا التوازن الهش يجعل من “لغة البيان” والمؤتمر الصحفي عنصرين لا يقلان أهمية عن القرار نفسه حيث تبحث الأسواق عن إشارات دقيقة حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية ، وليس فقط الوضع الحالي
مستقبل القيادة في الفدرالي
بعيدا عن الأرقام تبرز زاوية أكثر حساسية في هذا الاجتماع ، وهي مستقبل القيادة داخل مجلس الاحتياطي الفدرالي ، فمع اقتراب نهاية ولاية جيروم باول في مايو المقبل ، تتزايد التوقعات بأن يخلفه كيفن وورش ، وهو اسم معروف بميله إلى سياسات أكثر تشددا في التعامل مع التضخم
هذا التحول المحتمل يقلل نسبيا من وزن الإشارات قصيرة الأجل التي قد تصدر في المؤتمر الصحفي ، حيث يبدأ المستثمرون فعليا في تسعير المرحلة القادمة ، لا الحالية فقط بمعنى آخر الأسواق لم تعد تنظر إلى القرار القادم باعتباره نهاية دورة ، بل بداية لمرحلة جديدة قد تحمل نهجا مختلفا في إدارة السياسة النقدية
