
اتجهت أسعار العملات المشفرة وعلى رأسها عملة البتكوين خلال تداولات اليوم الخميس إلى الإنخفاض في ظل تجدد الهجمات في الشرق الأوسط يوم أمس ، وفي ظل انعدام الوضوح بشأن مفاوضات السلام، ونعدام شهية المخاطرة ولا سيما في ما يخص الأصول المضاربية غير المدرة للعائد ، وترقب الفدرالي الأمريكي بشأن رفع الاحتياطي الفيدرالي للفائدة وليس خفضها، وذلك نتيجة الضغوط التضخمية المرتبطة بالحرب ، كما تتركز الأنظار على بيانات الوظائف الأمريكية غير الزراعية لشهر مايو والمقرر صدورها يوم غد الجمعة ، في حين أظهر تقرير بأن وظائف القطاع الخاص الأمريكي ارتفعت بأكثر من المتوقع خلال شهر مايو.
نزيف في السيولة المؤسسية
وتعرضت صناديق المؤشرات المتداولة(ETF) لموجة خروج قوية للأموال خلال الأسابيع الأخيرة ، حيث بلغت التدفقات الخارجة نحو 3.7 مليار دولار خلال ثلاثة أسابيع فقط ، هذا النزيف لا يمكن تفسيره كحركة قصيرة الأجل ، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجي من قبل المستثمرين المؤسسيين ، الذين باتوا أكثر ميلا لتقليل التعرض للأصول عالية المخاطر في ظل ارتفاع الضبابية الاقتصادية العالمية.
ويعد هذا التحول مؤشرا مهما إذ إن دخول المؤسسات كان أحد أبرز العوامل التي دعمت صعود البيتكوين في الدورات السابقة ، بينما يشير خروجها الحالي إلى تغير في قناعاتها تجاه دور العملات الرقمية ضمن المحافظ الاستثمارية.
إشارات سلبية من كبار اللاعبين
ازدادت الضغوط على السوق عقب قيام شركة Strategy والمعروفة سابقا باسم مايكروستراتيجي أكبر حائز مؤسسي للبيتكوين في العالم ، حيث تمتلك في ميزانيتها العمومية أكثر من 762,000 وحدة بيتكوين ، والتي تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 61 مليار دولار ، بتنفيذ أول عملية بيع منذ ما يقارب أربع سنوات ، ورغم أن حجم الصفقة لم يكن كبيرا ، إلا أن توقيتها كان بالغ الحساسية ، حيث جاء في وقت تعاني فيه الأسواق من ضعف في الزخم.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في بعدها النفسي أكثر من تأثيرها الكمي ، إذ إنها تثير تساؤلات جوهرية حول استدامة نموذج “خزينة البيتكوين” وهي استراتيجية مالية تستخدمها الشركات والمؤسسات لتحويل جزء من احتياطياتها النقدية إلى عملة البيتكوين ، الذي يعتمد على الاحتفاظ طويل الأجل بالأصل على أساس توقع استمرار الاتجاه الصاعد ، أي تشكيك في هذا النموذج قد يفتح الباب أمام موجة مراجعة أوسع لاستراتيجيات مماثلة لدى شركات أخرى.
الأداء السعري يعكس عمق التصحيح
من الناحية الفنية تراجعت البيتكوين إلى مستويات تقل بنحو 50% عن ذروتها التاريخية المسجلة في شهر أكتوبر ، مما يضع السوق ضمن نطاق السوق الهابطة ، ويعكس هذا الانخفاض ليس فقط عمليات جني الأرباح ، بل أيضا ضعف الطلب الجديد ، وغياب المحفزات القوية القادرة على إعادة الزخم.
كما تشير حركة الأسعار إلى أن السوق فقد أحد أهم عناصره الداعمة، وهو الزخم السري ، الذي كان يتمثل سابقا في قصص التبني المؤسسي والتنظيمي.
إعادة توجيه السيولة نحو الذكاء الاصطناعي
في المقابل شهدت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي تدفقات قوية مستفيدة من وضوح نماذج أعمالها ، وقدرتها على NVIDIA وMicrosoftتوليد الإيرادات ، إضافة إلى ارتباطها بثورة تكنولوجية حقيقية تقودها شركات كبرى مثل .
هذا التحول في تدفقات رأس المال يعكس تغيرا في تفضيلات المستثمرين ، من الأصول القائمة على التوقعات المستقبلية غير المؤكدة (مثل العملات المشفرة)، إلى أصول مدعومة بأساسيات قوية ونمو فعلي في الأرباح.
تأثير العوامل الجيوسياسية والاقتصاد الكلي
في حين تلعب التوترات الجيوسياسية وعلى رأسها التصعيد في الشرق الأوسط ، دوراً محوريا في تشكيل توجهات الأسواق ، إذ يدفع تصاعد المخاطر الجيوسياسية المستثمرين إلى تجنب الأصول المضاربية والاتجاه نحو الملاذات الآمنة.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن هذه التوترات يعزز المخاوف التضخمية ، ما يدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددا ، وهو ما ينعكس سلبا على السيولة العالمية أحد أهم محركات أسواق العملات الرقمية.
قوة الدولار وتأثيرها على العملات المشفرة
ساهمت قوة الدولار الأمريكي في زيادة الضغوط على سوق العملات المشفرة ، حيث يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية إلى تقليل جاذبية الأصول المقومة بها ، خاصة في الأسواق الناشئة.
كما أن ارتفاع العوائد على أدوات الدين الأمريكية يعزز من جاذبية الأصول منخفضة المخاطر مقارنة بالاستثمارات عالية التقلب مثل العملات المشفرة.
العملات البديلة تحت الضغط
لم تكن العملات البديلة بمنأى عن هذه التطورات ، بل سجلت خسائر أكبر نسبيا مقارنة بالبيتكوين ، نتيجة لارتفاع حساسيتها تجاه تقلبات السوق ، وغياب مشاريع قوية قادرة على جذب السيولة في هذه المرحلة.
ويعكس ذلك الطبيعة الدورية لسوق العملات المشفرة ، حيث تميل السيولة إلى الانكماش بشكل حاد خلال فترات عدم اليقين.
النظرة المستقبلية
في ضوء هذه المعطيات يبدو أن سوق العملات المشفرة يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة ، قد تمتد على المدى المتوسط. وسيعتمد أي تعاف محتمل على عدة عوامل رئيسية، أبرزها:
عودة التدفقات المؤسسية
استقرار البيئة الجيوسياسية
تحسن السيولة العالمية
ظهور محفزات تنظيمية أو تكنولوجية جديدة
وفي ظل غياب هذه العوامل من المرجح أن تستمر الأسواق في التحرك ضمن نطاقات ضعيفة، مع ميل هبوطي على المدى القريب.
وخلال تداولات اليوم استمرت العملات المشفرة للإنخفاض ، وفي مقدمتها البتكوين بأكثر من 6.5% ، الى مستويات 61365.08 دولار أمريكي
