تراجع الذهب بعد كسره متوسطه المتحرك لـ200 يوم، في وقت أعادت فيه الأسواق تسعير التوقعات نحو موقف أكثر تشدداً من الاحتياطي الفيدرالي، مع إضافة مخاوف التضخم بقيادة النفط مزيداً من الضغوط. وأثار هذا التحرك موجة بيع سريعة قبل أن تستقر الأسعار، بعدما هبطت لفترة وجيزة دون 4,300 دولار، مع تقليص النفط لمكاسبه على خلفية مؤشرات لخفض التصعيد بين إيران وإسرائيل. كما أن ارتفاع العوائد وتماسك البيانات الأميركية قلّصا جاذبية الذهب كملاذ دفاعي خلال فترات التوتر الجيوسياسي.
وأضافت التطورات السياسية في الأسواق الناشئة طبقة أخرى من المخاطر. فسترفع الهند الرسوم الجمركية على واردات الذهب والفضة إلى 15% من 6%، اعتباراً من 13 مايو 2026، بهدف كبح الواردات. وبينما يُتوقع أن يظل طلب البنوك المركزية مرناً، قد تُقدم بعض بنوك الأسواق الناشئة على تعبئة حيازاتها من السبائك لتأمين سيولة بالدولار ودعم العملات؛ إذ باع أو أقرض البنك المركزي التركي نحو 130 طناً لتثبيت الليرة. وفي هذا السياق، خفّض بنك OCBC توقعاته لنهاية عام 2026 إلى 5,100 دولار للأونصة من 5,350 دولاراً للأونصة، مع الإشارة إلى استمرار العوامل الداعمة مثل تدهور قيمة العملات (إضعاف القوة الشرائية)، والمخاطر المالية، والتجزؤ الجيوسياسي.
الضغوط الفنية قصيرة الأجل واستراتيجيات التداول
نرى أن الذهب سيبقى تحت الضغط على المدى القريب بعد كسره لمتوسطه المتحرك لـ200 يوم، والذي بات الآن يشكّل مستوى مقاومة قرب 4,400 دولار للأونصة. وقد جاءت هذه الإشارة الفنية السلبية نتيجة إعادة تسعير توقعات الاحتياطي الفيدرالي عقب بيانات اقتصادية أقوى من المتوقع. كما أن بيئة ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار الأميركي تشكّل رياحاً معاكسة كبيرة للمعدن النفيس.
تقرير الوظائف القوي لشهر مايو، والذي أظهر إضافة الاقتصاد الأميركي لأكثر من 250 ألف وظيفة، دفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات للعودة فوق 4.75%. ويعزز ذلك قناعة السوق بأن الفيدرالي سيبقى متشدداً وسيؤخر أي خفض محتمل للفائدة إلى وقت لاحق من هذا العام أو حتى مطلع 2027. وبالنسبة لمتداولي المشتقات، يوحي ذلك بأن مكاسب الذهب ستكون محدودة خلال الأسابيع المقبلة.
وبناءً على هذه الرؤية، نعتقد أن بيع فروق عقود الشراء خارج نطاق السعر (Out-of-the-money call spreads) يُعد استراتيجية جذابة للأسابيع القليلة المقبلة. تتيح هذه المقاربة للمتداولين تحصيل علاوة مقابل الرهان على أن سعر الذهب لن يتجاوز مستويات المقاومة الرئيسية. وهي طريقة محسوبة للتموضع لفترة من التحرك العرضي قبل استئناف الاتجاه الصاعد على المدى الأطول.
طلب البنوك المركزية والمخاطر والرؤية طويلة الأجل
كما يواجه الطلب من البنوك المركزية، وهو ركيزة دعم رئيسية، بعض التحديات. فبينما ظل الشراء الإجمالي مرناً في الربع الأول من 2026، تُظهر عملية البيع البالغة 130 طناً من تركيا للدفاع عن الليرة كيف يمكن لضغوط عملات الأسواق الناشئة أن تقود إلى تسييل الذهب. نراقب هذا الاتجاه عن كثب، إذ إن أي مبيعات إضافية قد تزيد من ضعف الأسعار على المدى القصير.
وعلى الرغم من هذه الرياح المعاكسة الفورية، نعتقد أن الأساس الهيكلي الداعم للذهب ما زال قائماً بفعل استمرار التشظي الجيوسياسي والمخاطر المالية طويلة الأجل في الاقتصادات الكبرى. لذلك، سننظر إلى أي هبوط إضافي باتجاه مستوى الدعم 4,200 دولار كفرصة استراتيجية لشراء عقود خيارات الشراء الأطول أجلاً. يتيح ذلك التمركز للاستفادة من الارتفاع المحتمل لاحقاً مع الحد من مخاطر رأس المال المبدئي.
وقد دفعتنا هذه الضغوط قصيرة الأجل إلى خفض توقعاتنا لنهاية عام 2026 بشكل طفيف إلى 5,100 دولار للأونصة. وتُذكّر هذه الحالة بدورة التشديد في 2018، حين واجه الذهب ضعفاً أولياً بسبب تشدد الفيدرالي قبل أن ينطلق لاحقاً في موجة صعود كبيرة متعددة السنوات. نتوقع نمطاً مشابهاً، حيث ستضع فترة التحرك العرضي الحالية الأساس لتحرك صاعد كبير.