ارتفعت أسعار الاستيراد في الصين على أساس سنوي منذ سبتمبر 2025، مع تحول أسعار مشتريات المدخلات الصناعية ومؤشر أسعار المنتجين (PPI) إلى المنطقة الإيجابية في مارس قبل أن تقفز في أبريل ومايو، منهيةً فترة انكماش سعري استمرت لأكثر من ثلاث سنوات. وقد جاء هذا التحرك مدفوعاً بالمعادن في المراحل الأولية من سلسلة الإنتاج، وبالإلكترونيات المرتبطة بالطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي، وبالتكاليف المتعلقة بالمشتقات النفطية المرتبطة بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط. وارتفع المؤشر الرسمي لأسعار الصادرات إلى مستوى شبه الأعلى في ثلاث سنوات خلال أبريل، إلا أن مكاسب أسعار الصادرات جاءت أبطأ من أسعار الواردات من حيث التوقيت والحجم خلال السنوات الأخيرة.
ويبدو أن انتقال الأسعار يتركز في المنبع: إذ إن تضخم مؤشر أسعار المنتجين في التصنيع أقل من نظيره في التعدين والمواد الخام، فيما يظل مؤشر أسعار المنتجين للسلع الاستهلاكية في حالة انكماش. كما أن نمو أسعار الصادرات إجمالاً جاء دون نمو أسعار الشركاء التجاريين الرئيسيين، بما يشير إلى أن صادرات الصين تواصل كبح ضغوط التضخم العالمية، رغم أن أسعار صادرات الدوائر المتكاملة (IC) تجاوزت أسعار واردات الدوائر المتكاملة خلال طفرة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن تكون موجة إعادة التضخم في التكاليف الحالية أكثر اعتدالاً مقارنة بعامي 2021-2022، إذ لا تستند إلى قاعدة منخفضة للغاية مرتبطة بتعطلات «كوفيد»، وتأتي بالتزامن مع ضعف الطلب المحلي، وهو ما يتضح في تراجع معدلات استخدام الطاقة الإنتاجية في قطاع التصنيع.
محركات إعادة التضخم في المنبع واستراتيجيات السوق
نشهد ارتفاعاً في أسعار المنتجين في الصين بما ينهي فترة طويلة من الانكماش السعري، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد للنفط والمكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأفاد المكتب الوطني للإحصاء في الصين مؤخراً بأن مؤشر أسعار المنتجين ارتفع في مايو بنسبة 1.2% على أساس سنوي، في حين جاء مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) عند مستوى محدود بلغ 0.5%. ويشير ذلك إلى أن ضعف الطلب المحلي يمنع تمرير ضغوط التكاليف إلى المستهلكين، ما قد يضغط على هوامش الشركات التي تركز على السوق المحلية.
ويتركز هذا التضخم في القطاعات الأولية مثل التعدين والمواد الخام، بينما تتأخر أسعار التصنيع والسلع الاستهلاكية. ومع تجاوز خام برنت مؤخراً 95 دولاراً للبرميل واستقرار عقود النحاس الآجلة قرب أعلى مستوياتها لعدة سنوات، نرى أن المراكز الطويلة في الأصول المرتبطة بالسلع الأساسية مبررة. ويمكن النظر في خيارات الشراء (Call) على صناديق المؤشرات المتداولة للسلع أو عقودها الآجلة لاكتساب انكشاف على هذا الاتجاه خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
ويُعد قطاع الذكاء الاصطناعي استثناءً مهماً، إذ تشهد أسعار صادرات الصين من الدوائر المتكاملة ارتفاعاً حاداً بفعل الطلب العالمي القوي. ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه كبرى شركات التكنولوجيا العالمية الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات في مراكز البيانات، فيما أظهر أحدث تقرير أرباح لشركة «إنفيديا» استمرار الطلب القياسي على رقائقها. ونرى فرصة في شراء خيارات الشراء على مجموعة مختارة من شركات أشباه الموصلات الصينية وموردي عتاد الذكاء الاصطناعي المرشحين للاستفادة من هذا الزخم.
التداعيات على التضخم العالمي وفرص التداول
نظراً إلى أن نمو أسعار الصادرات الصينية يتخلف عن الشركاء التجاريين الرئيسيين، تواصل صادرات الصين لعب دور عامل انكماشي عالمياً. وقد يمنح ذلك بنوكاً مركزية مثل الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لتأجيل المزيد من رفع أسعار الفائدة، خلافاً لبعض توقعات السوق. وقد يدعم هذا السيناريو صفقات تستفيد من استقرار الفائدة أو تراجعها، مثل المراكز في عقود السندات الحكومية الآجلة.
ومن غير المرجح أن تكون إعادة التضخم الحالية القائمة على التكاليف بالقوة نفسها التي شهدتها فترة 2021-2022، في ظل ضعف الطلب المحلي الذي تعكسه وتيرة تراجع معدل استخدام الطاقة الإنتاجية الصناعية إلى 75.2% في الربع الأول من 2026. ويشير ذلك إلى أنه رغم ارتفاع أسعار المنتجين، قد تبقى وتيرة الصعود محدودة. وبناءً عليه، نتوخى الحذر تجاه الرهانات الصعودية المباشرة، ونفضل استراتيجيات مثل فروق خيارات الشراء الصاعدة (Bull Call Spreads) على المؤشرات الصناعية، والتي تستفيد من ارتفاع معتدل في الأسعار مع وضع سقف للمخاطر.