يضع «رابوبنك» سيناريو أساسياً يفترض أن مضيق هرمز لن يعود إلى التشغيل الطبيعي لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ما يبقي الضرر على جانب الإمدادات ويقيّد جزءاً كبيراً من تدفقات النفط والغاز العالمية. كما يلفت البنك إلى مخاطر اتساع الحرب، وتأخر فتح الممر الملاحي، واحتمال تدخل أطراف خارجية، وهي عوامل تشير إلى نقص حاد في الطاقة والحاجة إلى مراجعة توقعاته للاقتصاد الكلي وأسواق السلع.
ترتيب «نفط مقابل نفط» قد يوفر لإيران عملات أجنبية مهمة (FX: عملات صعبة مثل الدولار واليورو)، لكنه سيضعف قدرتها على الضغط عندما تتمكن 1,550 سفينة عالقة خلف هرمز من المغادرة، ما يطلق زيادة كبيرة لمرة واحدة في إمدادات الطاقة. وعلى الصعيد التشغيلي، قد يستغرق إزالة الألغام (تعطيل وإزالة الألغام البحرية لفتح الممر) أكثر من 30 يوماً؛ وتقدّر بعض التوقعات أن العملية قد تمتد إلى ستة أسابيع، ما يعني إعادة فتح في منتصف يوليو حتى وفق افتراضات إيجابية. والمسار الثاني يتمثل في قيام حلفاء الولايات المتحدة بالمساعدة في إعادة فتح المضيق، ما قد يقصر الجدول الزمني لكنه يرفع مخاطر الرد العسكري واتساع الصراع؛ وفي 19 مايو أفادت تقارير بأن أعضاء في «الناتو» يدرسون دوراً إذا ظل المضيق مغلقاً بحلول يوليو.
—
توقعات السوق ومخاطر أمن الطاقة
نرى أن السيناريو الأساسي الجديد هو عدم عودة مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، ما يخلق صدمة مستمرة في إمدادات الطاقة. هذا التصور يدفعنا لتوقع إعادة تسعير كبيرة للمخاطر في أسواق الطاقة خلال الأسابيع المقبلة. والاستجابة الرئيسية هي الاستعداد لفترة أطول من ارتفاع أسعار النفط والغاز.
تكتسب هذه الإغلاق المحتمل أهمية كبيرة لأن المضيق يمثّل «عنق زجاجة» (نقطة اختناق يمر عبرها جزء كبير من الإمدادات) لنحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط. وتفيد إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن أكثر من 21 مليون برميل يومياً من السوائل النفطية (مزيج يشمل الخام والمنتجات البترولية) عبرت المضيق في 2023. ولا يوجد حل سريع لاضطراب بهذا الحجم، إذ إن الطاقة الإنتاجية الفائضة عالمياً (إنتاج يمكن زيادته سريعاً) غير كافية لتعويض نقص كبير ومفاجئ. ونعتبر ذلك تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي.
—
التموضع الاستراتيجي وسوابق تاريخية
لذلك نرى جدوى في بناء مراكز شراء (الاستفادة من ارتفاع الأسعار) في عقود النفط الآجلة (عقود شراء/بيع للتسليم في تاريخ لاحق) مع التركيز على عقود أغسطس وسبتمبر لخام برنت و«غرب تكساس الوسيط» (WTI: خام أميركي مرجعي). كما أن شراء خيارات الشراء (Call Options: تمنح الحق في الشراء بسعر محدد للاستفادة من الصعود مع تحديد الخسارة) يعد نهجاً مناسباً لاقتناص مكاسب محتملة مع ضبط المخاطر. ومن المرجح أن يقفز مؤشر تقلبات خيارات النفط الخام لدى بورصة شيكاغو للخيارات (OVX: يقيس توقعات تذبذب أسعار النفط عبر تسعير الخيارات)، الذي يدور حول منتصف مستوى 30، ما يعني أن تكلفة الخيارات (العلاوة/القسط المدفوع لشراء الخيار) سترتفع قريباً وبشكل كبير.
تاريخياً، أدت الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى زيادات حادة في الأسعار، مثل تضاعف أسعار النفط بعد غزو الكويت عام 1990. وتشير تلك السابقة إلى أن الأسعار الحالية قد لا تعكس احتمال قفزة سريعة نحو 150 دولاراً للبرميل إذا بقي المضيق غير صالح للمرور. وإغلاق لثلاثة أشهر سيكون أزمة أشد من كثير من الأحداث القصيرة السابقة.
يبدو جدول الحل غير مؤكد بدرجة كبيرة، ما يجعل الرهان على هبوط الأسعار في المدى القصير شديد الخطورة. وقد تمتد عمليات إزالة الألغام إلى منتصف يوليو في أفضل الأحوال، كما أن احتمال تدخل دول «الناتو» يضيف مخاطر تصعيد عسكري. وبناءً على ذلك، ينبغي النظر إلى أي تراجعات في أسعار الطاقة كفرص للشراء.
ويمتد هذا الاضطراب إلى ما هو أبعد من النفط الخام، إذ يضغط بقوة على تدفقات الغاز الطبيعي المسال (LNG: غاز يجري تبريده وتحويله إلى سائل لتسهيل نقله)، خصوصاً إلى أوروبا وآسيا. لذلك ندرس أيضاً مراكز شراء في عقود الغاز الطبيعي الآجلة، إلى جانب استراتيجيات تحوط (تقليل الخسائر عبر أدوات مالية) ضد تراجعات أوسع في الأسواق. ويشمل ذلك شراء خيارات البيع (Put Options: تمنح الحق في البيع بسعر محدد للاستفادة من الهبوط) على القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة مثل شركات الطيران والصناعات الثقيلة التي ستتضرر من ارتفاع تكاليف المدخلات (تكلفة الوقود والمواد والطاقة).