ارتفع اليورو مقابل الدولار الأميركي يوم الثلاثاء، بعدما أدى تراجع محدود في أسعار النفط إلى انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية (عوائد السندات هي نسبة الربح التي يطلبها المستثمر مقابل الاحتفاظ بالسند). وجرى تداول زوج اليورو/الدولار قرب 1.1701 بعد تسجيل أدنى مستوى خلال الجلسة عند 1.1676.
ظل صعود اليورو/الدولار محدوداً مع بقاء شهية المخاطرة ضعيفة عقب تجدد القتال في الشرق الأوسط. واستقر مؤشر الدولار الأميركي قرب 98.40، منخفضاً بنحو 0.07% خلال اليوم.
توترات الشرق الأوسط ورد فعل الأسواق
أثارت هجمات جديدة في الخليج، يوم الاثنين، شكوكاً بشأن مدة استمرار وقف إطلاق النار. وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن وقف إطلاق النار مع إيران «لم ينتهِ»، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترامب سيقرر ما إذا كانت التوترات الأخيرة ستؤدي إلى انهياره.
خفّض ذلك مخاوف التصعيد الفوري وساعد على تراجع أسعار النفط، إذ انخفض خام غرب تكساس الوسيط (WTI، وهو خام نفط أميركي يُستخدم كمرجع سعري عالمي) بنحو 3%. ومع ذلك بقيت أسعار النفط مرتفعة إجمالاً، ما أبقى مخاطر التضخم (ارتفاع الأسعار) قائمة وأثر في توقعات أسعار الفائدة.
قامت الأسواق بتسعير احتمال لا يقل عن زيادتين في أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي هذا العام، مع استمرار الشكوك بسبب حساسية منطقة اليورو لصدمات الطاقة. وقال عضو البنك المركزي الأوروبي فرانسوا فيليروي دو غالوه إنه لا يرى بعد «مؤشرات كافية لرفع الفائدة»، لكنه أشار إلى أن الفائدة قد ترتفع إذا ظهرت «آثار لاحقة» (أي انتقال ارتفاع الأسعار إلى الأجور والسلع والخدمات بشكل متكرر).
في الولايات المتحدة، أظهرت أداة FedWatch (مؤشر يقدّر احتمالات قرارات الفائدة استناداً إلى تسعير عقود الفائدة في الأسواق) أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي مرجح أن يثبت الفائدة قريباً، بينما ارتفع احتمال رفع الفائدة في ديسمبر إلى نحو 27% بعد أن كان قريباً من الصفر قبل أسبوع. وتراجعت فرص العمل الشاغرة وفق بيانات JOLTS (مسح رسمي لعدد الوظائف الشاغرة) إلى 6.866 مليون في مارس من 6.922 مليون. كما تراجع مؤشر ISM لقطاع الخدمات (مؤشر يقيس نشاط شركات الخدمات) إلى 53.6 في أبريل من 54.
فروق أسعار الفائدة والدولار الأقوى
نرى أن اليورو/الدولار يتداول قرب 1.0850، وهو فرق كبير عن مستويات 1.1700 التي نتذكرها خلال فترات التوترات الجيوسياسية في عام 2025. وقد أعطى تراجع النفط المؤقت آنذاك شعوراً مضللاً بالارتياح. أما اليوم، فقوة الدولار تبدو أكثر استمراراً بسبب تفوق أوضح في أسعار الفائدة.
تستقر أسعار النفط حالياً قرب 85 دولاراً للبرميل لخام غرب تكساس، ما يبقي التضخم مرتفعاً في الولايات المتحدة وأوروبا. وفي منطقة اليورو، أظهرت أحدث بيانات مؤشر أسعار المستهلكين المنسق (HICP، وهو مقياس موحد للتضخم في دول الاتحاد الأوروبي) لشهر أبريل تضخماً عند 2.6%، وهو أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي. وهذا يدعم بيئة «معدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول»، ما يحد من قدرة اليورو على الارتفاع.
ومن المتوقع أن يبقي البنك المركزي الأوروبي سعر فائدة الإيداع الرئيسي (الفائدة التي يتقاضاها أو يدفعها على ودائع البنوك لديه) عند 3.75% خلال الصيف، وهو ما تعكسه عقود اليورايبور الآجلة (عقود مشتقات تستند إلى سعر الفائدة بين البنوك في منطقة اليورو). ويختلف ذلك عن 2025 حين كانت الأسواق تسعر زيادتين بشكل غير مؤكد. الآن، يتركز اهتمام المتعاملين في عقود الخيارات على توقيت أي خفض محتمل للفائدة، لا على رفعها.
في الولايات المتحدة، الصورة مشابهة لكن بشكل أوضح، إذ أظهر أحدث مؤشر أسعار المستهلكين (CPI، مقياس للتضخم لدى المستهلك) تضخماً عند 3.1%. ويتمسك الاحتياطي الفيدرالي بمعدل مستهدف عند 4.50%، ما يخلق ميزة كبيرة في العوائد (ارتفاع العائد على الأصول المقومة بالدولار)، ويواصل جذب الأموال إلى الدولار. ويُعد هذا الفارق في أسعار الفائدة أكبر عقبة أمام أي ارتفاع قوي لليورو/الدولار.
في ظل هذه الخلفية، يُتوقع استمرار التداول ضمن نطاق سعري مع تقلبات أعلى، ما يجعل استراتيجيات الخيارات جذابة. وارتفع مؤشر VSTOXX (مؤشر يقيس تقلبات أسهم منطقة اليورو) إلى 18، ما يشير إلى زيادة قلق الأسواق قبيل بيانات التضخم المقبلة. وقد يفكر المتعاملون في شراء استراتيجية «سترادل» (شراء خيار شراء وخيار بيع عند نفس سعر التنفيذ للاستفادة من حركة قوية في أي اتجاه) أو «سترنغل» (شراء خيار شراء وخيار بيع لكن عند أسعار تنفيذ مختلفة) على اليورو/الدولار للاستفادة من التحركات الحادة في أي اتجاه بعد صدور بيانات التضخم والتوظيف خلال الأسابيع المقبلة.