يربط دانيال غالي من «تي دي سيكيوريتيز» الذهب بما يسميه «تداول الهيمنة»، وهو طرح يقوم على تقييم قوة الولايات المتحدة وقدرتها على تحمّل أوضاع ماليتها العامة، وكيف ينعكس ذلك على دور الدولار كـ«مخزن للقيمة»، أي كعملة يلجأ إليها المستثمرون والبلدان لحفظ الثروة على المدى الطويل. ويقول إن صورة القوة تؤثر في طريقة تقييم الدائنين الأجانب والبنوك المركزية والأسواق لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على «امتيازها الاستثنائي»، وهو تعبير يعني استفادة الولايات المتحدة من كون الدولار عملة الاحتياط العالمية، بما يتيح لها الاقتراض والتمويل بتكلفة أقل وبشروط أسهل.
ويصف غالي «تداول إضعاف العملة» في العام الماضي بأنه كان الأوضح في المعادن النفيسة، ويرى أن كلا الموضوعين مرتبطان بوظيفة الدولار كمخزن للقيمة. ويضيف أن القدرة الجيوسياسية على الصمود ترتبط بثقة الأسواق في قدرة الولايات المتحدة على حماية هذا الدور.
تداول الهيمنة ومفهوم الدولار كمخزن للقيمة
يقول غالي إن مرحلة «الدفاع عن العملة» في حرب إيران الحالية تضغط على الذهب نزولاً طالما ترتفع توقعات تحقيق نصر كامل. ويقصد بـ«الدفاع عن العملة» إجراءات مثل رفع أسعار الفائدة أو تشديد القيود على حركة الأموال أو استخدام الاحتياطيات لدعم سعر الصرف. ويشير إلى أن ذلك يقلل مشتريات الذهب لأن الدول تعطي الأولوية لاستيراد الطاقة واستقرار الاقتصاد وسعر الصرف على حساب «تنويع الاحتياطيات»، أي توزيع الأصول الاحتياطية على أدوات مختلفة بدلاً من الاعتماد على الدولار وحده.
ويرى أن انتهاء مرحلة الدفاع عن العملة، بما في ذلك عبر وقف إطلاق نار غير ملائم، قد يدفع الموجة التالية من صعود الذهب. ويربط ذلك بتسارع تنويع الاحتياطيات باتجاه الذهب، إلى جانب زيادة التركيز على عبء الدين الأميركي المتراكم.
في العام الماضي، 2025، دفع خطاب «إضعاف العملة» المعادن النفيسة إلى الارتفاع. أما الآن فقد انتقل تركيز السوق بوضوح إلى ما نطلق عليه «تداول الهيمنة»، الذي يربط قيمة الذهب مباشرة بتصورات العالم لقوة الولايات المتحدة وصحة ماليتها العامة. هذا النهج أقل ارتباطاً بالتضخم التقليدي، وأكثر ارتباطاً بالدور الطويل الأجل للدولار كمخزن للقيمة.
التمركز في السوق واستراتيجية عقود الخيارات
حالياً، يشكل الصراع المستمر في إيران عاملاً ضاغطاً على الذهب، ويُبقي الأسعار ضمن نطاق ضيق. وتدخل الدول المعنية مرحلة «الدفاع عن العملة»، فتركّز على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي بدلاً من زيادة احتياطيات الذهب. وتُظهر بيانات حديثة من «مجلس الذهب العالمي» انخفاض مشتريات البنوك المركزية من الذهب بنسبة 15% في الربع الأول 2026 مقارنة بالربع السابق، ما يدعم فكرة أن الأولويات تغيّرت مؤقتاً.
خلال الأسابيع القريبة، يعني ذلك أن النظرة إلى «عقود الذهب الآجلة» (وهي عقود لشراء أو بيع الذهب بسعر محدد في تاريخ لاحق) تميل إلى السلبية أو الحياد. ويرى غالي أن المتداولين يشترون «عقود خيار البيع» قصيرة الأجل (أداة تمنح الحق في البيع بسعر محدد، وتُستخدم كحماية من الهبوط) للتحوّط في حال تحقق وقف إطلاق نار مناسب للغرب بما يعزز الدولار. كما تراجعت «التقلبات الضمنية» لعقود خيارات الذهب القريبة إلى نحو 14%، وهي مقياس لتوقعات السوق لحركة السعر المقبلة، ما يشير إلى أن السوق يتوقع استقراراً، وبالتالي تصبح تكلفة التحوّط بهذه الأدوات أقل.
لكن الفرصة الأهم، وفقاً له، تكمن في احتمال تراجع قدرة الدول على الاستمرار في الدفاع عن عملاتها. فوقف إطلاق نار غير ملائم من محادثات جنيف، أو أي إشارة إلى تراجع النفوذ الجيوسياسي الأميركي، قد يكون الشرارة لموجة صعود كبيرة جديدة للذهب. ويشير إلى أن وضعاً مشابهاً حدث في سبعينيات القرن الماضي عندما تراجعت الثقة في إدارة الولايات المتحدة للاقتصاد، ما أدى إلى إعادة تسعير كبيرة للذهب بعد فصل الدولار عن الذهب.
لهذا السبب، يتجه التمركز نحو توقع صعود حاد عبر شراء «عقود خيار الشراء» الأطول أجلاً (أداة تمنح الحق في الشراء بسعر محدد) لعقود سبتمبر وديسمبر 2026. ويقول إن السوق لا يسعّر هذا الخطر الجيوسياسي بصورة كافية، إذ يركز أكثر على الخطوة التالية للاحتياطي الفيدرالي مقارنة بتصاعد نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، التي تجاوزت 125% وفق أحدث توقعات «مكتب الموازنة في الكونغرس» (جهة رسمية تقدّر مسارات الدين والإنفاق). وإذا تبدلت المعنويات، فقد تحقق هذه المراكز مكاسب كبيرة مع اندفاع الدول إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن ديون الولايات المتحدة.