انخفض إنتاج النفط العالمي بوتيرة أشد من أي أزمة نفط خلال الخمسين عاماً الماضية، بسبب إغلاق مضيق هرمز والهجمات على مواقع إنتاج النفط ومرافق التحميل في منطقة الخليج العربي. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن إنتاج النفط الخام اليومي تراجع بما لا يقل عن 10 ملايين برميل منذ بداية حرب إيران، أي نحو 12% من إنتاج العالم.
ارتفعت أسعار النفط لكن بأقل مما حدث في صدمات السبعينيات. كان متوسط السعر السنوي للنفط في 1974 أعلى بنحو 250% مقارنة بـ1973، وفي 1979 كان سعر برميل النفط الخام أعلى بنحو 125% من متوسط العام السابق، بينما يُتوقع هذا العام ألا يزيد السعر بأكثر من 60% عن متوسط العام الماضي.
كثافة استخدام الطاقة والأثر الاقتصادي
تستخدم الدول المتقدمة حالياً نفطاً أقل لكل وحدة من الناتج، مقارنة بما كانت عليه قبل 50 عاماً، ما يقلل تراجع القدرة الشرائية الناتج عن ارتفاع الأسعار. في أزمة النفط الأولى، ارتفعت فاتورة النفط في ألمانيا بما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي اليابان بنحو 4%، بينما يُتوقع أن تؤدي زيادة قدرها 40 دولاراً للبرميل إلى رفع فواتير النفط بما يتراوح بين 0.5% و1% من الناتج المحلي الإجمالي في أربع دول جرى تحليلها.
لا تزال التوقعات غير مؤكدة بسبب احتمال تعطل سلاسل الإمداد واستمرار أضرار طويلة الأمد في بنية الطاقة التحتية في الخليج. (سلاسل الإمداد: شبكة النقل والتخزين والتوريد التي تضمن وصول النفط والمواد المرتبطة به إلى الأسواق).
عند مراجعة تحليل حرب إيران 2025، تبيّن أن حتى اضطراباً كبيراً في الإمدادات لم يُطلق موجات ارتفاع كارثية للأسعار كما حدث في السبعينيات. أصبحت الاقتصادات المتقدمة أكثر قدرة على التحمل بسبب انخفاض كثافة استخدام النفط والاستفادة من الاحتياطيات الاستراتيجية (الاحتياطيات الاستراتيجية: مخزونات حكومية تُستخدم لتخفيف أثر نقص الإمدادات). وهذا يغيّر طريقة التعامل، إذ قد تكون أساليب التداول التقليدية في أزمات النفط أقل ملاءمة اليوم.
خلال الأسابيع المقبلة، قد يعني ذلك أن “التذبذب الضمني” في “خيارات النفط” قد يكون مسعّراً بأعلى من اللازم أثناء المخاوف الجيوسياسية. (التذبذب الضمني: تقدير السوق لمدى تقلب السعر مستقبلاً ضمن تسعير الخيارات. الخيارات: عقود تمنح حق شراء أو بيع الأصل بسعر محدد قبل تاريخ معين). شهدت أزمة 2025 ارتفاع الأسعار بنحو 60% فقط، أقل بكثير من أحداث تاريخية، ما أدى إلى انتهاء صلاحية كثير من “خيارات الشراء البعيدة عن السعر الحالي” دون قيمة. (خيارات شراء بعيدة عن السعر الحالي: عقود لا تحقق ربحاً إلا إذا ارتفع السعر كثيراً فوق المستوى الحالي). حالياً يظهر مؤشر تقلبات خيارات النفط الخام من بورصة شيكاغو (OVX) قرب 35، وهو أقل بكثير من ذروته في 2025 التي تجاوزت 80، ما يشير إلى أن السوق يتعلم هذه الديناميكية تدريجياً. (مؤشر OVX: مقياس لتوقعات تقلب أسعار النفط المستمدة من تسعير الخيارات).
أسعار الفائدة والتموضع عبر فئات الأصول
الضربة الأقل من المتوقع للناتج المحلي الإجمالي تحمل أيضاً دلالات لمنتجات المشتقات المرتبطة بأسعار الفائدة. (مشتقات أسعار الفائدة: عقود مالية تتأثر بحركة الفائدة مثل العقود الآجلة والمقايضات). في أواخر 2025، سعّرت الأسواق تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة من البنوك المركزية، لكنها لم تتحقق بالكامل لأن الضرر الاقتصادي كان محدوداً. وهذا قد يعني أنه في صدمة طاقة مقبلة قد تظهر فرصة للتموضع عكس توقعات “التيسير” المبالغ فيها في أسواق العقود الآجلة المرتبطة بالفائدة مثل عقود اليورو-دولار أو عقود أموال الاحتياطي الفيدرالي. (توقعات التيسير: توقع خفض الفائدة. العقود الآجلة: اتفاق لشراء/بيع في تاريخ لاحق بسعر محدد).
ومع ذلك، يجب أخذ التحذير بشأن الأضرار الطويلة الأمد في بنية الطاقة التحتية في الحسبان، لأن ذلك يرفع الحد الأدنى للأسعار. تشير تقارير حديثة من أبريل 2026 إلى أن عدداً من مرافق تحميل النفط في الخليج لا يزال يعمل بأقل من طاقته قبل 2025، ما يبقي “علاوة مخاطر” في السوق. (علاوة مخاطر: زيادة في السعر تعكس احتمالات اضطراب الإمدادات). لذلك قد يكون الاحتفاظ بجزء من “العقود الآجلة طويلة الأجل” للنفط أو خيارات الشراء تحوطاً مناسباً ضد بطء الإصلاحات. (تحوط: حماية من مخاطر ارتفاع الأسعار. عقود آجلة طويلة الأجل: استحقاقات بعيدة المدى).
وبما أن الاقتصادات أصبحت أقل اعتماداً على النفط، يمكن النظر إلى صفقات “القيمة النسبية”. (القيمة النسبية: مقارنة أداء أصول مرتبطة ببعضها للربح من الفروق). في 2025، لوحظ أن العقود الآجلة المرتبطة بمؤشرات قطاعات السلع الاستهلاكية الكمالية والتكنولوجيا تعافت أسرع من المرتبطة بالصناعة الثقيلة أو النقل. ويشير ذلك إلى أنه في فترات عدم اليقين في الطاقة قد تحقق صفقة “أزواج” نتائج جيدة، عبر شراء مؤشر يركز على التكنولوجيا وبيع مؤشر يركز على الصناعة. (صفقة أزواج: مركزان متعاكسان للاستفادة من فرق الأداء بين أصلين).