في الأسبوع الأول من الصراع، كان الرنمينبي الصيني (CNY) أفضل العملات أداءً، مع بقاء تذبذب الأسعار ضمن مستويات مسيطر عليها. ركّزت التحليلات على ما إذا كان يؤدي دور «ملاذ آمن» ثانوي بعد الدولار الأميركي، مدعوماً بقدرة أكبر على تحمّل صدمات الطاقة مقارنةً ببعض اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ التي تعتمد بصورة أكبر على المدخرات.
أظهرت بيانات التدفقات (حركة دخول وخروج الأموال) أن شراء CNY جاء بالتوازي مع موجة خروج كبيرة من سندات الحكومة الصينية (CGBs). وخلال معظم العام، تحركت حيازات CNY وسندات CGBs في اتجاهين متعاكسين، إذ ارتبط شراء العملة بتقليص مراكز السندات، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع التضخم إلى خفض العائد الحقيقي (العائد بعد احتساب التضخم).
تحول في ديناميكيات التدفقات
قرب نهاية الشهر، عاد الطلب على سندات CGBs للارتفاع، بينما رجعت تدفقات CNY إلى صافي بيع، بما يتماشى مع زيادة التحوّط (تقليل المخاطر عبر أدوات مالية). ثم أظهرت بيانات بداية الربع الثاني شراءً صافياً لكلٍ من CNY وسندات CGBs في الوقت نفسه.
يشير هذا النمط إلى ارتفاع الانكشاف المباشر على CNY (الاحتفاظ بالعملة دون تحوّط كامل)، رغم انخفاض العوائد مقارنةً بغيرها واستمرار مقاومة بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) لارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي (REER: قيمة العملة بعد احتساب التضخم والفروق التجارية مقابل سلة عملات). وتفسير آخر هو أن الصين قد تدخل مرحلة عودة تضخم الأسعار والنشاط الاقتصادي (reflation) لأول مرة منذ إعادة الفتح بعد الجائحة، وأن توقعات عوائد السندات قصيرة الأجل قد تكون غير دقيقة، بالتزامن مع ميل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى التيسير (خفض الفائدة) حتى قبل إعلان وقف إطلاق النار.
عند الرجوع إلى الصراع في مطلع 2025، لوحظ أن CNY تصرف كملاذ آمن، لكن ذلك ارتبط في البداية ببيع المستثمرين لسندات الحكومة الصينية (CGBs). واستمر هذا النمط لفترة طويلة من العام الماضي. لكن بدأ تحول واضح قرب الربع الثاني من 2025، مع رصد شراء صافٍ متزامن لكلٍ من CNY وسندات CGBs.
يبدو أن هذا الاتجاه مستمر حتى 2026، ما يعني أن المستثمرين باتوا يسعون إلى انكشاف مباشر على الأصول الصينية. وتؤكد البيانات الأخيرة ذلك، إذ أظهرت حيازات الأجانب من سندات CGBs صافي تدفق داخلي يزيد على 80 مليار يوان في مارس 2026، للشهر الرابع على التوالي. ويعكس ذلك ثقة أعلى لا تقتصر على الاحتفاظ بالعملة، بل تمتد إلى الاستثمار في سوق الدين الصيني مع تحوّط أقل من مخاطر العملة.
دلالات للمتداولين
بالنسبة لمتداولي المشتقات (عقود مالية تعتمد قيمتها على أصل مثل العملة أو السند)، فإن استمرار الطلب وتفضيل بنك الشعب الصيني للاستقرار يرجحان بقاء تذبذب العملة منخفضاً. وقد تراجع «التذبذب الضمني» (Implied Volatility: التذبذب المتوقع الذي تعكسه أسعار خيارات العملة) لخيارات الدولار/اليوان لمدة شهر واحد إلى قرب أدنى مستوياته منذ سنوات، ما يعزز جاذبية الاستراتيجيات التي تستفيد من انخفاض التذبذب، مثل بيع «السترينغل» (بيع خيار شراء وخيار بيع عند أسعار تنفيذ مختلفة للاستفادة من بقاء السعر ضمن نطاق). والتوقعات تميل إلى تحركات تدريجية مضبوطة بدلاً من تقلبات حادة.
احتمال عودة التضخم والنشاط الاقتصادي في الصين أصبح مدعوماً بنمو الناتج المحلي الإجمالي عند 5.1% في الربع الأول من 2026. هذا الاستقرار، إلى جانب احتياطي فيدرالي نفّذ عدة خفض للفائدة ويشير الآن إلى التوقف، يغيّر ميزان المخاطر والعوائد لحيازة الأصول الصينية. كما أن فارق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة والصين لم يعد يتسع، ما يوفر دعماً أساسياً لليوان.
لذلك، قد يكون من الأنسب للمتداولين عدم الاعتماد على النهج القديم القائم على التحوّط الكامل لكل انكشاف على سندات CGBs. فالشراء المتزامن للعملة والسندات يشير إلى أن مراكز الشراء المباشر على CNY، أو استراتيجيات الخيارات التي تستفيد من يوان مستقر إلى أقوى، أصبحت أكثر قابلية للتطبيق. وهذا يعكس تغيراً في نظرة الأسواق العالمية إلى الأصول الصينية باعتبارها استثماراً أطول أجلاً وليس صفقة قصيرة المدى.