
بعد مرور مئة يوم على اندلاع الحرب في الشرق الأوسط لم يعد تأثير النزاع مقتصرا على الجغرافيا السياسية أو التوازنات العسكرية فحسب ، بل امتد ليعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي وسلوك الأسواق المالية بصورة عميقة ومعقدة ، ففي الوقت الذي كانت فيه التوقعات الأولية تشير إلى صدمة قصيرة الأجل ، تكشف البيانات اليوم عن واقع مختلف ، وأصبح الاقتصاد العالمي يتكيف مع المخاطر لا ينهار بسببها.
ومنذ اللحظات الأولى للتصعيد في الشرق الأوسط سادت حالة من الذعر في الأسواق العالمية ، حيث اندفعت رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة ، وارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد وتعرضت الأصول عالية المخاطر لضغوط بيعية قوية ، غير أن ما حدث لاحقا يعكس تحولا نفسيا واستثماريا لافتا ، إذ بدأت الأسواق وعلى رأسها وول ستريت ، في استيعاب الصدمة وإعادة تسعير المخاطر بطريقة أكثر براغماتية.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا تمكنت المؤشرات الرئيسية من تعويض خسائرها بسرعة ، بل وتسجيل مستويات قياسية جديدة ، في ظاهرة تعكس ما يمكن وصفه بـ”تجاهل المخاطر الجيوسياسية” ، هذا الأداء لم يكن عشوائيا ، بل مدفوعا بعدة عوامل ، أبرزها استمرار قوة أرباح الشركات ، والتفاؤل المرتبط بثورة الذكاء الاصطناعي ، التي باتت تمثل محركا رئيسيا للأسواق ، إلى جانب مرونة الاقتصاد الأميركي الذي لا يزال يظهر قدرة عالية على امتصاص الصدمات.
في المقابل بدت الصورة أكثر تعقيدا في أوروبا ، حيث تشكل أسعار الطاقة عامل ضغط مباشر على النمو الاقتصادي ، نظرا لاعتماد القارة الكبير على واردات الطاقة من الخارج ، هذا التباين بين الاقتصادات الكبرى يعكس خللا هيكليا في توزيع المخاطر ، حيث تتحمل بعض المناطق عبئا أكبر من غيرها.
أما في آسيا فقد برزت اقتصادات مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان كمستفيدين غير مباشرين من التحولات الجارية، خاصة مع تسارع الإنفاق العالمي على التكنولوجيا والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ، وسجل مؤشر نيكايي225 أداء قويا ومستويات قياسية جديدة ، بالاضافة أنة ظل مدعوما بتدفقات استثمارية نحو قطاع التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
في الوقت ذاته شهدت العملة اليابانية أي الين الياباني ضغوطا ملحوظة ، حيث تراجع الين أمامالدولار الأمركي نتيجة الفجوة المستمرة في السياسات النقدية بين بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي ، هذا التراجع عزز من تنافسية الصادرات اليابانية ، لكنه في المقابل رفع تكلفة الواردات ، خاصة الطاقة مما أضاف طبقة جديدة من التعقيد للاقتصاد الياباني.
أما في سوق العملات عزز الدولار الأميركي مكانته كملاذ آمن مدفوعا بارتفاع العوائد على السندات الأميركية ، واستمرار توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول ، وقد ساهمت هذه الديناميكية في تشديد الأوضاع المالية عالميا ، خاصة في الأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي.
وفي سوق السندات فقد كان أحد أبرز ضحايا هذه المرحلة ، حيث شهدت عوائد السندات السيادية ارتفاعا حادا ، في انعكاس مباشر لتوقعات التضخم المرتفع واستمرار التشدد النقدي ، وقد أدى هذا الارتفاع إلى تقليص جاذبية الأسهم نسبيا ، رغم استمرار ارتفاعها مما يطرح تساؤلات جدية حول استدامة هذا الاتجاه الصعودي.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز النفط كأحد أهم العوامل المؤثرة فإغلاق مضيق هرمز ، ولو بشكل جزئي أو غير رسمي ، أدى إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد ، ورفع من حالة عدم اليقين في الأسواق ، ورغم تراجع الأسعار عن ذروتها ، فإنها لا تزال مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم عالميا.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات التضخم في العديد من الاقتصادات الكبرى في الارتفاع مجددا ، مدفوعة بزيادة تكاليف الطاقة والنقل ، هذا الواقع يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة ، بين احتواء التضخم من جهة ، وتجنب دفع الاقتصاد نحو الركود من جهة أخرى.
| المؤشر | التغير بعد 100 يوم من الحرب |
| خام برنت | ارتفاع بنسبة 36% |
| خام غرب تكساس | ارتفاع بنسبة 50% |
| سعر البرميل | تجاوز 100 دولار |
| إمدادات النفط المعطلة | 25% – 30% (عبر مضيق هرمز) |
ومع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن ، عاد شبح التضخم ليخيم على الاقتصاد العالمي حيث تشير التوقعات إلى أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يدفع معدلات التضخم إلى نحو 10% في بريطانيا ومنطقة اليورو ، هذا الارتفاع في التضخم يضع البنوك المركزية في موقف حرج ، حيث تضطر إلى الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة ، مما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
وفي خضم هذه التحولات برزت العملات الرقمية وعلى رأسها البتكوين كأصل مثير للجدل ، ففي بداية الحرب تعرضت بيتكوين لضغوط بيعية حادة ، حيث لجأ المستثمرون إلى السيولة والدولار ، إلا أنها سرعان ما استعادت جزءا من زخمها ، مدفوعة بعودة شهية المخاطرة ، والنظر إليها كأداة تحوط بديلة ضد التضخم وعدم الاستقرار المالي. غير أن تحركات بيتكوين ظلت متقلبة تعكس حالة التردد في الأسواق المالية ، ونخفض إلى مستويات متدنية لم نرها من أشهر طويلة ، حيث لم تتمكن البتكوين من ترسيخ نفسها كملاذ آمن تقليدي ، لكنها في الوقت ذاته لم تفقد جاذبيتها كأصل مضاربي عالي العائد ، هذا السلوك يعكس المرحلة الانتقالية التي تمر بها الأصول الرقمية ، بين كونها أداة استثمارية ناشئة وأصلا ماليا ناضجا.
ومع دخول الحرب يومها المئة يمكن القول إن الأسواق العالمية لم تعد تتفاعل مع الأخبار بنفس الحساسية التي كانت عليها في البداية ، فقد أصبح هناك نوع من “التكيف النفسي” مع الصراع ، حيث بات المستثمرون يركزون بشكل أكبر على البيانات الاقتصادية وأرباح الشركات ، بدلا من العناوين الجيوسياسية.
لكن هذا لا يعني أن المخاطر قد تلاشت بل على العكس ، فإن استمرار الصراع دون حل جذري يحمل في طياته مخاطر كامنة ، قد تظهر بشكل مفاجئ في حال حدوث تصعيد جديد أو اضطراب كبير في إمدادات الطاقة ، كما أن بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ، وهو ما قد ينعكس سلبا على الأسواق في نهاية المطاف.