تراجعت المؤشرات المرجعية للنفط الخام عن معظم علاوة المخاطر المرتبطة بتعطّلٍ حدث في أواخر فبراير في مضيق هرمز، إذ دفع وقفٌ مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وعبورُ أولى ناقلات النفط خام غرب تكساس الوسيط (WTI) نحو منتصف نطاق 70 دولاراً، وخام برنت إلى ما دون 80 دولاراً بقليل. وقد انزلقت المحادثات من يوم الجمعة إلى منتصف الأسبوع المقبل، إلا أن العقود الآجلة تداولت كما لو أن سلاسل الإمداد قد عادت إلى طبيعتها بالفعل. وفي السوق الفعلية، تتركز شدة الضيق في المراحل اللاحقة من سلسلة الإمداد: إذ تظل المنتجات المكررة ومواد التغذية للبتروكيماويات مقيدة فيما تنخفض أسعار الخام. وتُعد طاقة التكرير هي القيد الحاسم بعد أن أزالت الإغلاقات الدائمة أكثر من مليون برميل يومياً، كما أن الدرجات الخفيفة من نفط السجيل الأميركي تنتج نسبياً كميات أقل من الديزل ووقود الطائرات.
كما تشير مؤشرات المنبع أيضاً إلى شحّ في المعروض. فقد تراجعت المخزونات التجارية في مركز التسليم الأميركي الرئيسي لثمانية أسابيع متتالية إلى نحو 20 مليون برميل، بالقرب من مستويات الحد التشغيلي الأدنى، في حين عادت المخزونات الأميركية الإجمالية لتدور حول مستويات منتصف ثمانينيات القرن الماضي مع صادرات قياسية. وتبدو إعادة فتح المضيق عملية تدريجية؛ إذ قد تستغرق إزالة الألغام أشهراً، وإعادة تموضع الناقلات أسابيع، كما أن إعادة تشغيل الحقول المتوقفة تتم بوتيرة أبطأ. ويتوقع مستشارون ألا تعود التدفقات إلى مستويات ما قبل الحرب إلا في وقت متأخر من العام المقبل. وترى التوقعات الرسمية الآن أن الاستهلاك العالمي سيتقلص هذا العام وأن يتجه برنت نحو أوائل السبعينيات بحلول الربع الرابع، مع مزيد من الهبوط في 2027. وتُظهر المستويات الفنية مقاومة لخام غرب تكساس قرب 77.00، ثم المتوسط المتحرك الأسي لـ200 يوم عند 78.00 إلى 78.50 و80.00، بينما يقع الدعم حول 75.00 و74.00؛ أما مقاومة برنت فهي عند 80.00 ومتوسطه الأسي لـ200 يوم عند 82.50 إلى 83.00، مع دعم عند 78.00 إلى 78.50 ثم 76.00. ويقترب مؤشر Stoch RSI من منطقة تشبع بيعي.
اختلالات السوق وقيود المنتجات المكررة
نرى أن سوق النفط الخام تراجع بوتيرة سريعة أكثر من اللازم على آمال التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما هبط خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى منتصف السبعينيات دولاراً، فإن واقع السوق الفعلية لا يدعم هذا الانخفاض السريع في الأسعار. فسوق العقود الآجلة يسعّر تعافياً لم يحدث بعد.
وقد انتقل الضيق الأساسي إلى المراحل اللاحقة ليطال المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات. ويعني النقص العالمي في طاقة التكرير أنه حتى لو أصبح الخام أرخص، ستظل إمدادات هذه الوقود الأساسية مقيدة. وتُظهر أحدث البيانات أن فارق التكسير 3-2-1، وهو مقياس لربحية التكرير، لا يزال مرتفعاً قرب 35 دولاراً للبرميل، وهو أعلى بكثير من متوسط السنوات الخمس لشهر يونيو.
وتُعد مخزونات النفط الأميركية، لا سيما في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما، عند مستويات منخفضة على نحو حرج. وأظهر تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) للأسبوع الماضي سحباً إضافياً من المخزونات التجارية، ما خفّض مخزونات كوشينغ إلى ما يزيد قليلاً على 20 مليون برميل. وهذا قريب من الحد التشغيلي الأدنى ويشير إلى سوق منبع شديدة الضيق.
واقع إعادة فتح المضيق والتموضع التكتيكي
يُتعامل مع إعادة فتح مضيق هرمز كما لو أنها «مفتاح تشغيل»، لكن التاريخ يظهر أنها أقرب إلى «مُؤشّر يُدار ببطء». فقد بيّنت اضطرابات سابقة أن الأمر قد يستغرق أشهراً عديدة لتطهير الممرات المائية وتمكين المنتجين من إعادة تشغيل الحقول المتوقفة بأمان دون الإضرار بالمكامن. ونتوقع أن تكون عودة هذه البراميل قصة 2027، لا الأسابيع القليلة المقبلة.
لذلك، نعتقد أن موجة البيع الأخيرة مبالغ فيها وتوفر فرصة تكتيكية. ومع إظهار مؤشرات فنية مثل مؤشر القوة النسبية (RSI) ظروف تشبع بيعي، سنميل إلى معاكسة هذا الضعف طالما حافظ خام غرب تكساس على الدعم بين 74.00 و75.00 دولاراً. ونتوقع تعافياً سعرياً باتجاه المتوسط المتحرك قرب 78.00 دولاراً.
مع ذلك، لا نتبنى موقفاً صعودياً على المدى الطويل، إذ يُرجّح حدوث فائض في المعروض بمجرد عودة براميل الخليج إلى السوق. كما أن توقعات الطلب العالمي للنصف الثاني من العام أخذت تلين، فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية (IEA) الآن فائضاً في السوق بحلول مطلع 2027. وتتمثل رؤيتنا الاستراتيجية في البيع عند أي ارتفاعات تمتد إلى أوائل نطاق 80 دولاراً، مع التموضع لأسعار أدنى خلال العام المقبل.