أوقفت الولايات المتحدة شحنات الدولار إلى العراق وجمّدت برامج التعاون الأمني العسكري. وتهدف هذه الخطوات إلى الضغط على بغداد للتحرك ضد الميليشيات الإيرانية العاملة في العراق.
قال وزير الخزانة الأميركي بيسنت إن عدداً من الحلفاء في الخليج وآسيا، وليس الإمارات فقط، طلبوا ترتيبات لمبادلة الدولار (آلية تتيح الحصول على سيولة بالدولار عبر اتفاق تبادل مؤقت بين مؤسسات مالية/بنوك مركزية). ويشير ذلك إلى قنوات محتملة جديدة لتوفير سيولة بالدولار الأميركي خارج المجموعات التقليدية من الشركاء.
تحول مراكز الارتكاز في سوق العملات
وُصفت أزواج العملات المرجعية التقليدية في سوق الصرف الأجنبي (تداول وتبادل العملات) مثل EUR/USD وGBP/USD وUSD/JPY بأنها أصبحت أقل أهمية في متابعة الأسواق. ويرتبط هذا التحول باقتصاد عالمي أكثر ارتباطاً بالموارد والإنتاج الصناعي والذكاء الاصطناعي (تقنيات تعتمد على البرمجيات والبيانات لتنفيذ مهام تحليل واتخاذ قرارات).
هذا النهج يوسّع قائمة الجهات المحتملة التي قد تحصل على هذه الترتيبات إلى ما يتجاوز المملكة المتحدة وأوروبا واليابان. كما يعيد تقديم دعم الدولار باعتباره مرتبطاً بقرارات السياسة الأميركية أكثر من كونه جزءاً من ترتيبات دولية مشتركة.
وُصف أن نتائج هذه الإجراءات غير واضحة، مع الإشارة إلى احتمال ظهور آثار اقتصادية لاحقاً.
الجغرافيا السياسية تدفع تحركات الدولار
تُظهر التطورات أن مؤشرات المقارنة التقليدية للعملات مثل EUR/USD تفقد قدرتها على الاستدلال بحركة السوق. وأصبحت قرارات السياسة الأميركية، مثل توسيع ترتيبات مبادلة الدولار (توفير سيولة بالدولار عند الحاجة) لحلفاء رئيسيين في الخليج وآسيا، العامل الأبرز في قوة الدولار. وهذا يعني أن التركيز يتحول من البيانات الاقتصادية وحدها إلى الاستراتيجية الجيوسياسية.
يتضح ذلك في أسواق التذبذب (مقاييس سرعة وحِدة تغير الأسعار)، إذ ظلت مؤشرات تذبذب العملات مرتفعة بنحو 15% فوق متوسطها لعام 2025 خلال مطلع 2026. فعلى سبيل المثال، أدت توترات الأسبوع الماضي في بحر الصين الجنوبي إلى ارتفاع الدولار مقابل سلة عملات (مجموعة عملات تُستخدم لقياس أداء العملة) رغم تراجع عوائد السندات الأميركية (العائد هو الفائدة الضمنية التي يطلبها المستثمر للاحتفاظ بالسند). ويبرز هذا الانفصال أن تداول الدولار بات يعتمد أكثر على طلب الملاذ الآمن (الإقبال على الأصول الأكثر أماناً وقت الأزمات) وليس على الأداء الاقتصادي وحده.
بدأت ملامح هذا التحول في 2025 مع شيوع النقاش حول تقليل الاعتماد على الدولار. لكن استخدام الولايات المتحدة لأدواتها الاقتصادية والسياسية (سياسات الدولة للتأثير المالي والتجاري) حدّ من ذلك عبر توفير سيولة الدولار بشكل انتقائي لشركاء استراتيجيين، ما عزز دور الدولار. ونتج عن ذلك تباين واضح: دول متوافقة مع المصالح الأميركية تحظى بنفاذ أكثر استقراراً للدولار، بينما تواجه دول أخرى درجة أعلى من عدم اليقين.
بالنسبة لمتداولي المشتقات (عقود مالية ترتبط قيمتها بأصل مثل عملة أو سلعة)، قد تكون استراتيجيات الاستفادة من ارتفاع التذبذب (الرهان على زيادة حركة الأسعار) على الأزواج الرئيسية مجدية، لأن الإعلانات السياسية قد تواصل إحداث تحركات حادة غير متوقعة. كذلك، قد يوفّر التركيز على عملات الدول المنتجة للموارد فرصاً أفضل من تداول عملات مجموعة العملات الكبرى التقليدية. كما أن القفزة الأخيرة بنسبة 12% في العقود الآجلة للنحاس (عقود لشراء/بيع السلعة بسعر محدد لاحقاً) بعد إعلان شراكة صناعية جديدة مع حليف آسيوي تؤكد هذا الربط بين قرارات الدولة وتدفقات السلع.
في هذا السياق، ينبغي أن تعطي النماذج أولوية لبيانات الإنتاج الصناعي وأمن سلاسل الإمداد (قدرة الشركات والدول على توفير المواد والمكونات دون انقطاع) على حساب مؤشرات التضخم أو التوظيف وحدها. وتزداد قيمة الدولار ارتباطاً بقدرة الدول على تأمين الموارد وإنتاج السلع الأساسية. لذلك، أصبح توقع الخطوة الاستراتيجية الأميركية التالية أكثر أهمية من توقع القرار القادم للبنك المركزي.